الشيخ محمد الصادقي الطهراني

285

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

فتبذير المال هو أن تنفقه في غير حقه قليلًا أو كثيراً ، إذ ليس هو الكثرة في الإنفاق إنما هو وضع الإنفاق وموضعه ، ونية الانفاق وموقعه ف « من انفق شيئاً في غير طاعة اللَّه فهو مبذر » « 1 » « وما أنفقت رياءً وسمعة فذلك حظ الشيطان » « 2 » ومنه إنفاقك مالك كله « فتقعد ملوماً محسوراً » « 3 » وهو أدنى الإسراف لحد قد لا تشمله الآية في اخوة الشياطين حيث الرسول صلى الله عليه وآله بعيد كل البعد عن هكذا تبذير « 4 » اللهم إلا نهياً تنزيهياً تعطُّفاً عليه يشمله صدر الآية « ولا تبذر تبذيراً » ثم الذيل « إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين » لا يشمله صلى الله عليه وآله أبداً . بل الصدر ايضاً حيث التبذير هو ألا تنتفع ولا تنفع بما تدفع وقد تضر أو تتضرر ، وليس منه إنفاق مالك كله في سبيل اللَّه فتقعد ملوماً محسوراً ، ولا إنفاقك مناً أو أذىً ، أم ماذا من موارد الانفاق التي ليست هدراً كله ولا ضراً كله ، وإن كان ممنوعاً منهياً عنه . والنهي عن التبذير مطلق لنفسه ، ولمكان « تبذيراً » يشمل تبذير النفس والنفيس ، فتبذير النفس محرم أياً كان ، أن يهدر الإنسان نفسه انتحاراً أم تعريضاً للقتل أو الجرح أو المرض أو أية إصابة بدنية أو روحية دون مقابل موازن أو هو أرجح . كذلك وتبذير المال أن تصرفه في غير حلال أو تهدره دون صرف ، أم في حلال برئاء أو سمعة أو منٍّ أو أذىً ، أم في حلال باستئصال المال أن تبسط يدك كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً ، مهما اختلفت أخوَّة الشياطين في هذه وتلك . وبأحرى منعاً صرف المال فيما يضرك نفسياً أم ماذا ، كالدخان وأخواتها من سائر المخدرات ، التي تضرك مالياً ونفسياً ، وكلما كان عدم الانتفاع في الايتاء أكثر ، والضرر أكثر ،

--> ( 1 ) . نور الثقلين 3 : 156 في تفسير العياشي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال سألت ابا عبداللَّه عليه السلام عن قوله : « ولا تبذر تبذيراً » قال : . . . ومن انفق في سبيل اللَّه فهو مقتصد ( 2 ) . الدر المنثور 4 : 177 - اخرج البيهقي في شعب الايمان عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير وما تصدقت فلك وما أنفقت . ( 3 ) . تفسير البرهان 3 : 416 عن أبي بصير قال : سألت ابا عبداللَّه عليه السلام في قوله « لا تبذر تبذيراً » قال : بذل الرجل‌ماله ويقعد ليس له مال قال : فيكون تبذير في حلال ؟ قال : نعم ( 4 ) . ومن الدليل على الشمول ، ما في الدر المنثور 6 : 177 - أخرج أحمد والحاكم وصححه عن انس ان رجلًاقال : يا رسول اللَّه اني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف اصنع ؟ قال : تخرج الزكاة المفروضة فإنها طهرة تطهرك وتصل اقاربك وتعرف حق السائل والجار والمسكين فقال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! اقلل لي قال صلى الله عليه وآله : فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً - قال : حسبي يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله